مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
السبت, 3 جمادى الأول 1439 هجريا, الموافق 20 يناير 2018 ميلاديا

الراحة ونصف الرزق

مع تزايد الظغوط الحياتية التي نمر بها هذه الأيام ومع تشكيل نمط الحياة المعيشية الجديد فإن الإنسان بطبيعته يبحث عن الراحة التي تسعد قلبه وتريح جسده من دون توتر أو قلق فكما كان للإسراف والتبذير حل واحد فإن للترشيد والتدبير اليوم ألف حل في مقابل تلك الصدمات المتسارعة التي تتطلبها المرحلة والجميع بطبيعة الحال ينشد السعادة سواءً كانت في المال أو راحة البال .
وإذا رجعنا للوراء قليلا فقد شاهد (جيل الطيبين) جيلنا أغنى القصور ومرّ بأفقر الأكواخ جرب محطات الفشل والنجاح عاش بلا كهرباء ونام في العراء وركب الجمل والحمار وأكل الخبز بالماء يسترهم بيت واحد جدرانه حجرية وأسقفه خشبية وأتذكر أبي وأمي يرحمهما الله يتلعثمون في نطق أسماء أولادنا المطورة وربما بعض أبنائنا عاشوا زمنا وهم لا يعرفون أسماء جداتهم اللاتي بينهم !
فالآباء مثلا رأوا أن اللذة ليست في الراحة وأن الراحة ليست في الفراغ وقد يجدون راحتهم في الدموع كما يجدونها في الابتسامة وأن من يعمل ويتعب قد ينام على الأرض وغيره قد لا يجد الراحة ولو كان على فراش وثير ولو قالوا بأن الدنيا لن ترتوي منها مهما شربت ولن تشبع منها مهما أكلت ولن ترتاح فيها مهما تنعمت لصدقوا لأنهم جعلوا راحتهم لا تأتي من غيرهم وإنما تأتي من داخل أرواحهم .
وبعد اتساع تلك الدائرة رأى الأبناء اليوم الكثير من المشكلات فالطفل يبحث عن راحته في اللعب والحلوى والكهل يرى راحته في الصحة والعبادة والشاب يفكر في الوظيفة والزواج وكأن كلا منهم بذلك جعل راحته تحت حجم الضمير الجمعي وتحت وطأة الديناميكية النفسية وما علموا أن أصحاب الدخل المرتفع كما ذكر أكثر من باحث اجتماعي .. يمرون بظغوط سلبية أكثر من غيرهم كالتوتر والاجهاد والأرق ويعانون من أمراض تميز الطبقة المترفة غالبا كالقلب والسكر والنقرس والظغط والسمنة حتى وإن اختلفت تلك المسببات من فرد إلى فرد ومن فئة إلى فئة لكنها لا ترقى لأدنى درجات الذين يجنون راحتهم بتعب وجهد غيرهم كاختلاس فكرة مهندس أو سرقة بحث دكتور أوقصيدة شاعر ويتصدرون المشاهد بمثل تلك الطرق المغشوشة وكأنهم يجهلون أن راحة البال لا تباع وراحة الضمير لا تشترى بل لا تتعدى مستوى سعادة مسؤول أو طبيب أو معلم أو مدرب حقق حلما أو أنجز مشروعا باعتبار أن الراحة الحقيقية لا يراها إلا المحب لدينه ووطنه ولا يقضي على تلك الإشاعات في مهدها إلا أصحاب الأفكار الراقية والضمائر الحية وإلا فما منا أحد إلا ويعاني من منغصات أويشكو من مرض ولذا قالوا الراحة نصف الرزق !
إن مشكلتنا هي في زاوية الرؤية وأما الطريق فإنه سالك ولكنه ليس معبدا وعن المال فماهو إلا مفتاح من حلقة مفاتيح أخرى !
وسواءً كانت السعادة في الراحة أو الراحة في السعادة فإن الفاصل بين السعادة والراحة ماهو إلا حرف الواو !!٠
د يعن الله الغامدي

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه. الحقول المطلوبه عليها علامة *

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*