مدينة الرياض
38 ℃
مدينة جدة
33 ℃
مدينة مكة
40 ℃
الاثنين, 5 محرّم 1439 هجريا, الموافق 25 سبتمبر 2017 ميلاديا

احدث الأخبار

الدواعش بَدد.. من التالي ؟! 

“تكفى يا سعد”، انثالت هذه الجملة، التي صدمت المجتمع السعودي قبل عامين من الذاكرة، وأنا أطالع تطهير مدينتي (الموصل) و(الرقة) من بقايا الدواعش، الذين تفرّق من بقي منهم أيدي سبأ، فيما مضى تنظيمهم لمزبلة التاريخ، كأقذر وأحطّ وأغدر الفرق التي ابتلي بهم الإسلام عبر قرونه.

وأنا أطالع في الأقنية الفضائية تلك الأبنية المهدمة في (الموصل)، تذكرت توسلات الشهيد مدوس العنزي، ذلك اليتيم الذي استدرج غدرا من قبل ابني عمه الداعشيين، وقام أحدهما بتكبيله وهو يناشدهما بتلك الجملة التي أدمت قلوبنا، ليقوم الشقي بقتله عبر الكلاشنكوف، فيما الآخر-بكل دم بارد- يصوّر الجريمة، وبلا أية مشاعر بشرية ولا مروءة ولا خلق ولا دين ولا قرابة، وهما اللذان أكلا وشربا وتربيا معه طيلة سنوات أعمارهما، ولكنه الفكر المنحرف عندما يرين على العقل ويعميه.

 أسوق لمن لا يزال مترددا في التعاطف الجزئي مع هذه الفئة الإرهابية الغالية، بحجة أن قاتليهم اليوم هم “الحشد الشعبي” الصفوي، الذي لا يقل –ولا شك- تطرفا أيدلوجيا عن الدواعش ولكن في الجانب الشيعي؛ مشهد تلك الأم السعودية الطاهرة المغدورة من قبل ابنيها التوآمين اللذين اعتنقا فكر التنظيم، وقاما بطعن والدتهما في شهر رمضان من العام الفارط وقتلاها، في جريمة أذرفت منا الدموع وتمزقت لها نياط قلوبنا، وكتبت من وحيها مقالة أتساءل فيها عن مشاعر الأم وهي تتلقى الطعنة تلو أختها من ابنيها اللذين رضعا منها، وبذلت لهما ما تملك كي تفخر بهما، لينهي الشقيان حياتها بتلك الفجيعة.

فكرٌ بشعٌ شائهٌ تغلغل في كل المجتمعات المسلمة، وشوّه صورة إسلامنا الزاهي المتسامح، المنفتح على حضارات العالم، الداعي للمزاحمة في سلم الحضارة الإنسانية، والحآث على امتطاء العلم والتعلم لخير البشرية، وأحاله هؤلاء لدين وحشي إجرامي، وتفننوا في ترويج هاته الصورة في المعمورة كلها، حتى تنادت أمم العالم في نبذنا وديننا.

لا تعاطف أبدا مع هؤلاء المجرمين الذين لم يرقبوا إلّا ولا ذمة فينا، ولم يلتزموا حتى بآداب الدين الإسلامي الذي يزعمون اعتناقه زورا. هل تتذكرون منظر ذلك الطيار الأردني معاذ الكساسبة ومشهد حرقه حيا، فيما صوّر أولئك الأشقياء الحادث عبر مقطع هوليودي محترف هزّ العالم بأسره، ولطخ صورة ديننا أمام الرأي العالمي برمته، والمأفونون الشراذم كانوا يريدون بثّ الرعب بزعمهم، ولم يدروا أنهم أجمعوا العالم على كرههم.

لن ننسى ونحن نودع هذه الظاهرة الطارئة في تاريخنا، ما تفننوا به من عمليات الإعدام التي قادهم فيها فكرهم المنحرف، أذكّر هنا بطرائقهم في الذبح بالسكين، بما فعلوه من إعدام الصحفي الياباني “كينجي غوغو” في مدينة الرقة في شهر يناير 2015، في مشهد قبيح جدا، وقتما لم تستجب الحكومة اليابانية لدفع مبلغ 200 مليون دولار مقابل الإفراج عنه، بل وقاموا به تجاه مسلمين أيضا، وبشكل جماعي في احدى المرات.

طريقة ثانية قامت به “داعش” لترهيب العالم، عبر رمي الأسير -الذي أمرنا اسلامنا بالإحسان له- من مبنى مرتفع، ثم ضربه من الأعلى بحجارة حتى الموت. هناك طريقة تفجير الرأس بال (آر بي جي)، وهي المصممة لتفجير الدبابات. كان منظرا بشعا ذلك الذي فعلوه في شهر فبراير 2015، عندما أعدموا أحد أسراهم، وقد تناثر رأسه قطعا. هناك طريقتهم الاجرامية في تصفية الأسير بالغرق حتى الموت، والأسوأ كان استخدام الأطفال في تنفيذ الإعدام بحق أسراهم، حيث أماتوا الطفولة والبراءة والفطرة السوية، عندما كانوا يعلمون أطفالهم كيف يقتلون بتلك السن الصغيرة.

لا تعاطف أو شفقة اليوم مع هذه الفئة الغالية التي امتطتها الاستخبارات الإيرانية والروسية والغربية، لتنفيذ مخططاتها في تقسيم المنطقة، ولترهيب دولها وابتزازها، مستغلين هذه السذاجة الفكرية والعاطفة الدينية لدى الشباب التي اتجهت لغير مسارها الصحيح، ولا شك عندي أن “داعش” كانت رأس حربة بيد تلك الاستخبارات التي اخترمتها بالطول والعرض، وتسللوا حتى وصلوا إلى توجيه دفتها تجاه السعودية، وكان السيناريو ماضيا بالهجوم علينا من الداخل والخارج، لولا لطف الله وعنايته، ثم يقظة قيادتنا ورجال أمننا الذين أحبطوا مخططاتهم ولا يزالون.

 

غير ناسٍ الجهود التي بذلت من قبل علمائنا وهيئاتنا ومؤسساتنا الدينية في فضح فكرهم، لدرجة أنهم هددوا من الدواعش، وقاموا بدورهم المنوط بهم خير قيام، والحقيقة أن المجتمع السعودي تداعي مع دولته ومؤسساته في الحرب على هذا الفكر الشائه، بيد أنني ألفت هنا لدور مهم جدا قام به مركز الحرب الفكرية التابع لوزارة الدفاع، وانبرى له في ساحة الفكر والاعلام، وأخمد موادا ومقاطع فيديو، كان الدواعش يبثونها عن طريق القناة الأقوى تأثيرا لهم في استقطاب وتجنيد الشباب لفكرهم وهي ساحة الانترنت، لذلك عدمت كل موادهم التي كانوا يروجونها، وأتصور أنه منحى مهم في الحرب معهم.

“داعش” ورمٌ سرطاني يجتثه العالم اليوم، ولم تتبق له إلا شراذم متفرقة وخلايا متفرقة في كل بلد وسيتلاشون مع الأيام، ويقينا أن فكرهم باق، طالما بقيت أسباب انبعاثهم، والخوف كل الخوف أن نجد أنفسنا إزاء فرقة تنبجس في الغد؛ هي أشد تطرفا من “داعش”، وتحمل أجندة وفكرا أكثر بشاعة.

 

دعونا نعد للتاريخ القريب، ونتذكر أن بدايات هذا الفكر في عصرنا الحاضر، من ثمانينيات القرن الفارط عبر سجون مصر من الجماعة الإسلامية التي كفّرت حكام مصر، لينتقل التطرف عبرهم إلى جبال (تورا بورا)، ونلقى أنفسنا أمام نسخة أكثر تطرفا منها وهي “القاعدة” التي توسّعت في تكفيرها لكل الحكام والولاة، ولتخرج لنا “داعش” حاملة جينات سابقتها، ولكنها أكثر تطرفا في التكفير باستحلال دماء رجال الأمن والعسكر وكل من تعاون مع دولته في الحرب عليهم، والخشية أن نرى في الغد نموذجا محرّفا وأكثر تطرفا من “داعش” يستحل دماء المجتمع المسلم برمته، بحجة موالاتهم للحكام، ولكن من هي الاستخبارات التي ستبعث هذا النموذج، وتستغل سذاجة وحماسة الشباب الحانق؟!.

الدواعش إلى بَدد، وتجفيف منابع ومنابر التطرف أولوية، وتظل إيران و”الحشد الشعبي” مهمتنا التالية، وتلك حكاية أخرى.

* إعلامي وكاتب سعودي
@azizkasem

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة