مدينة الرياض
41 ℃
مدينة جدة
34 ℃
مدينة مكة
36 ℃
الثلاثاء, 30 ذو القعدة 1438 هجريا, الموافق 22 أغسطس 2017 ميلاديا

الأرخبيل الإندونيسي.. انكماش الصفوية

أمام حشد يصل للعشرة آلاف في جزيرة “لومبوك”، هتفت بهم، وقد أعطاني الشيخ أحمد فضلي –أحد وجهاء الجزيرة- الكلمة لأخاطبهم:” باتت جزيرتكم شهيرة عندنا في أرض الحرمين، فإن ذكرت أندونيسيا، تطاولت “لومبوك” جزيرة الألف مئذنة، وذكرتنا برسوخ الإسلام في هذا الأرخبيل الاندونيسي الكبير عبركم”.

عام كامل تماما، بين زيارتي الحالية والسابقة، وشتان شتان بينهما، إذ اعتصر الألم قلبي وقتها، للنشاط الصفوي القوي المشتد في أكبر دولة إسلامية، وبين الأمل الذي تجدد، وقتما استمعت لسائق التاكسي، يحدثنا بعربية ركيكة: “الملك سلمان أتانا في اندونيسيا، ولكأن أحد الصحابة أتى.. لا تعلمون أية فرحة تركها، وأي فخر شعرنا به، ونحن نتابعه زيارته في التلفاز”.

الأثر الكبير لزيارة مليك الحزم تلمسناه، ونحن نجوب بعض هذا الأرخبيل الذي تربو جزره على ال17 ألف جزيرة، ودارت حوارات مع رفقتي الكريمة حيال المد الصفوي، وقلت لهم: سيكتب التاريخ الدور المفصلي الذي قام به سلمان بن عبدالعزيز لتطويق التوسع الصفوي، إن ميدانيا أم فكريا، فقبل سنتين فقط؛ كان خطيب طهران يتبحج بأعلى صوته بسقوط رابع عاصمة عربية -قاصدا صنعاء بعد بيروت وبغداد ودمشق- بأيديهم، ويَعد القميء قومه بالحج في مكة المكرمة العام الذي يليه، ولم يدر المسكين بأن الله قيض للأمة أبا فهد، ليبدد تماما هذا الوهم، ويتبخر هذا الحلم الأسود على يدي ملك الحزم، فقد جَمُدت حمأة التوسع الصفوي الميداني، وها هم اليوم يتكبدون الخسائر في الأرواح، ويُستنزفون في الأموال في تلك العواصم التي تبجحوا، وفرغت خزائن طهران من أن يواصلوا بنفس الزخم الذي كانوا عليه في الأعوام العشرين الماضيات.

الأروع في المسألة، ما توعّد به أميرنا الشاب محمد بن سلمان هؤلاء الصفويين بنقل المعركة لداخل إيران، وبتنا نقرأ في صحفنا “الأحواز المحتلة”، و “بلوشستان المحتلة”، وسترون خلال المرحلة المقبلة، ما يشغل ملالي الشيطان هؤلاء عن لعبتهم الكبيرة التي لم يحسبوا فيها حساب دولة اسمها السعودية، غرّهم حلمها، ولم يدروا أن للحلم أمد. 

الملك سلمان يحفظه الله لم يأت أبدا على سيرة المد الصفوي في إندونيسيا إبان زيارته، حكمة منه وبُعد نظر، وكان فرح أهل هذه البلاد به كبيرا، بسبب مرور 45 عاما تقريبا على زيارة آخر ملك سعودي لهم، وهو الملك فيصل يرحمه الله، وأجزم بيقينية مطلقة أن مثل هاته الزيارة لحكامنا ستعطي دفعة كبيرة لأهل السنة هناك، وينكمش الصفويون أمامهم، فالملك سلمان يمثل رمزا إسلاميا كبيرا لهاته الشعوب، ومجرد التواصل معهم، يقوي عزائمهم، ويزيد من وشائج الحب والانتماء بيننا وبينهم، وهو ما تلمسته فعلا خلال هذه الزيارة، وهذه القوة الناعمة التي نتوافر عليها، هي أمضى سلاح نستخدمه لتطويق المد الصفوي، إن في آسيا أم أفريقيا، ومن الواجب استعماله بشكل دائم، فالمسلمون ينظرون إلينا كرأس ومركز الإسلام في العالم.

إندونيسيا هي أكبر دولة إسلامية، إذ يبلغ عدد سكانها حوالي 238 مليون شخص، وهي أحد الأعضاء المؤسسين للأسيان وعضو في مجموعة العشرين للاقتصادات الرئيسية. ورغم أن الاقتصاد الإندونيسي هو الثامن العشر عالميا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنها برأيي تتخلف كثيرا عن جارتيها ماليزيا وسنغافورة، وكنت أقول لرفقتي بأنها بحاجة لرجل كمهاتير محمد، يستثمر الموارد الكبيرة فيها، ويحولها لدولة متقدمة، والحقيقة أنها منطقة سياحية جاذبة، وكنت أعجب من أن جزيرة “بالي” قبلة للسياح الغربيين حتى وقفت أمام شاطئها هناك، ورمقت الشمس وهي تطفل للمغيب، فسٌحرت سحرا كاملا، وأُخذت نفسي لعوالم بعيدة، إذ لم أر في حياتي غروبا في جماله وسحره، كذلك الذي طالعته في تلك الجزيرة.

هناك منطقة “بونشاك”، ورغم ارتيادي لمناطق سياحية خضراء عديدة في العالم، بيد أنك تذهل وتدخل في حالة خدر كاملة، وقتما تقف أمام جبالها المخضوضرة، والغيم يتأرجح صعودا وهبوطا، وهواء الجبال النقي يملأ رئتيك، تود أن يقف بك الزمان والمكان ولا تغادر اللحظة، من فرط روعة ما أنت فيه من مشاعر تمور بنفسك، وأحاسيس تنبجس من فتنة المكان، وجمال يأخذ بحواسك تماما، ولا يعرف روعة “بونشاك” إلا أمثالي ممن عاشوا طفولتهم في مناطق جبلية كمدينة الطائف الوادعة.

زيارتي لأندونيسيا هذا العام؛ أشعرتني بمكانتنا بحق في وجدان الشعوب المسلمة، و طمأنتني إلى قوة بلادنا وهيبتها، وأن المد الصفوي بدأ بالانحدار والتلاشي.

* اعلامي وكاتب سعودي
@azizkasem

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة