مدينة الرياض
24 ℃
مدينة جدة
30 ℃
مدينة مكة
33 ℃
الأحد, 29 ربيع الأول 1439 هجريا, الموافق 17 ديسمبر 2017 ميلاديا

الشيطان يكمن في التفاصيل

الحياة الجميلة تحتاج إلى نظرة متجاوزة للتفاصيل، فالتفاصيل تجعل من الإنسان أكثر تشتتاً وقلقا ً، ورحابة الصدر ماهي إلا شكل من أشكال النظرة الواسعة التي تتقبل المشاهد العارضة في الحياة بتركيبتها المتضمنة للمتوافقات وللمتضادات في آن واحد.

رحباء الصدر لديهم القدرة على الاستفادة والشغف لمعرفة حتى تلك الآراء ووجهات النظر المخالفة لهم والمختلفة عنهم، وهم متسامحون لدرجة النقاء مع التقصير الذي قد يطال حقوقهم واحتياجاتهم إذا رأوا أن التغاضي خير من استجداء أشياء سيكون الحصول عليها محسوباً من وقتهم وجهدهم وصحتهم.

ليست الحياة كما يتصورها البعض خطاً مستقيما ًوحاداً لا ينبغي الخروج عنه، إنها أشبه بالنهر الواسع الذي تنحني مياهه بين الأودية والجبال، أو كالبحر الذي لا حدود له والذي لا يمتلك الإنسان أن يقدر حجم الحياة في أعماقه، كذلك المشاهد والأحداث التي تمر في الحياة أمام أنظارنا وأحكامنا ومعاييرنا الخاصة، إنها تمتلك في أعماقها العديد من التفاصيل التي لسنا بحاجة للتوقف عندها، فهي ذات طبيعة متوارية ومتخفية فالأفضل – في هذه الحال – أن تبقى ضمن طبيعتها المتوارية المتخفية، دون تنقيب أو خوض أو جدل لن يغير من تلك التفاصيل في شيء.

ليس الفرد منا مسؤولاً عن وجهات نظر من حوله، وليس مسؤولاً كذلك عن تبرير مواقفه أو آرائه ، أو إلزام أحد بها، ليس مسؤولاً عن إصلاح الكون، وليس مسؤولاً عن إصلاح الآخرين، ولا مسؤولاً حتى عن إصلاح نفسه.

إن جل ما ينبغي عليه أن يكون سهل الجريان في حركة الحياة الدائبة، كسهولة جريان مياه النهر، فالمياه الراكدة تتعكر لأنها توقفت عن الجريان، وكذلك الإنسان متى بدأ التفكير في نفسه وفي إصلاحها فإنه سيقف على تفاصيلها ودقائقها وعيوبها وصغائرها وهمهماتها ونزواتها إنه حينئذ سيضيع في داخله، وسيبقى أسير مملكته ، وسيفقد حريته وسيتعكر كما يتعكر الماء الراكد الذي لا حركة فيه.

إصلاح النفس لا يفترض أن يكون مسؤولية، ولكنه غاية منشودة، إن بإمكاننا النظر في التحليلات والنظريات والأسس والأصول والطرائق العلمية للاستنارة والرشادة ولمزيد من الرؤية الواسعة الفاحصة للمشهد الذي أمامنا في كليته العامة، ولسنا مطالبين بتطبيق عملي حرفي دقيق لما هو في صيغة نظرية شاملة ومثالية، إن النفس تحتاج للحركة الدائبة، وللعطاء، وللصدق مع النفس ومع الآخرين وهي لأجل هذا ينبغي أن تبقى حرة طليقة مرفرفة وخفاقة حيث لا يستقيم مع هذا تحميلها المسؤوليات الجسام والهموم العظام.

إصلاح النفس هو تقبل الحياة وتقبل الوجود وتقبل المعطيات القائمة في الوقت الذي لا ينصرف الذهن إلى الارتكان لها أو التعلل بها ، حيث يبقى الباب موارباً للقلة القليلة التي تؤمن بالطموح والمجد .. ولمن أراد؟ فعليه الحركة ومن ثم العبور.

* كاتب وقاص – عضو النادي الأدبي بجدة
@KaKateb

التعليقات (٠) اضف تعليق

التعليقات مغلقة